الشنقيطي

113

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لَهُ رِزْقاً ( 11 ) [ الواقعة : 11 ] فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ « مِنَ » أولا فأفرد الضمير في قوله يُؤْمِنْ وقوله « وَيَعْمَلْ » وقوله « يُدْخِلْهُ » وراعى المعنى في قوله : خالِدِينَ فأتى فيه بصيغة الجمع ، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله : قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ( 11 ) وقوله : أَنْ يَفْقَهُوهُ فيه وفي كل ما يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير : أحدهما - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه . وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها . وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري . والثاني - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه ، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف ، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة . وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] أي لئلا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا . وقوله : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [ الحجرات : 6 ] أي لئلا تصيبوا ، أو كراهة أن تصيبوا ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم . وقوله تعالى : أَنْ يَفْقَهُوهُ أي يفهموه . فالفقه : الفهم ، ومنه قوله تعالى : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) [ النساء : 78 ] أي يفهمونه ، وقوله تعالى قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ [ هود : 91 ] أي ما نفهمه . والوقر : الثقل . وقال الجوهري في صحاحه : الوقر - بالفتح ، الثقل في الأذن . والوقر - بالكسر : الحمل ، يقال جاء يحمل وقره ، وأوقر بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغال والحمار ا ه وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن ، قال في ثقل الأذن : وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وقال في الحمل : فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 ) [ الذاريات : 2 ] . قوله تعالى : وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) [ 57 ] آية . بين في هذه الآية الكريمة : أن الذين جعل اللّه على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبدا ، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى . وهذا المعنى الذي أشار له هنا من أن من أشقاهم اللّه لا ينفع فيهم التذكير جاء مبينا في مواضع أخر ، كقوله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) [ يونس : 96 - 97 ] ، وقوله تعالى : كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) [ الشعراء : 200 - 201 ] ، وقوله تعالى : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) [ يونس : 101 ] ، وقوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) [ يونس : 100 ] ، وقوله تعالى : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 37 ) [ النحل : 37 ] . وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء .